كيف أصبح طبيبا؟

 لماذا كلية الطب؟ يا دكتووووووور

لقد تصورت نفسي في حلل كثيرة. تصورت نفسي طيارا أجوب العالم، و كذلك ممثلا تنتشر صوري في الصحف و المجلات. أحيانا أخري رأيتني رياضيا مشهورا، و أيضا مخترعا و مكتشفا من العيار الثقيل. و لكن كل هذا كان في الماضي و الان حان وقت الحسم .. من أنا؟ و ماذا سأكون؟ إن لي قلبا كبيرا و حسا مرهفا مثل الشعراء و الفنانين. و أرنو إلي الخير بطبيعتي و لا أحب الشر و لا أرضي بالظلم. تمنيت لو أني مثل الملك سليمان الذي كلم النملة و احترم رغبتها في الحياة و السلامة. إنني مغرم بالتحليل و الاستنباط و تصميم النماذج و وضع النظريات.

لابد لي أن أعترف أن رغبتي في أن أصبح طبيبا و طدت بما لا يزال يتمتع به الطبيب في المجتمعات بالثقة و الاحترام و التقدير، كذلك بما يتنظر مما تدره هذه المهنة من ربح مادي معقول و مجال للشهرة و المجد. كل هذه أمور طيبة، و لكن الان بعد أن دخلت هذه الكلية و أصبحت طالبا للطب، يجب أن أعيد حساباتي، فليست نظرة المجتمع وحدها تكفي، و ليس المكسب المادي وحده يسوغ ، و ليست الشهرة و المجد يبرران أن أحمل نفسي هذا القسم بأن أصون الحياة و الأعراض و أن أتحمل هذه المسئولية الجسيمة.

مهنة الطبيب بين الحقوق و الواجبات، و المنحة و المحنة

لعل الداع المعتبر الوحيد لأن يقرر الإنسان أن يصبح طبيبا هو العائد الشخصي الداخلي. بمعني أن نشوة تخفيف الألم و حفظ الصحة و الحياة هي كل ما يجنيه الطبيب من مهنته في رعاية المرضي و المهمومين و المعوزين. هذه الفرحة و السعادة تحصل بوصف الدواء أو بتشخيص المرض أو باجراء الجراحة.

إن مهنة الطب مهنة شاقة و مضنية تبدأ باقتناء الكتب الطبية القيمة و إجادة التعامل مع هذه الكتب، و تعلم المهارات الطبية العملية في الفحص الطبي و التشخيص و العلاج، وصولا باليات البحث العلمي و القدرة علي الابتكار و الاكتشاف العلمي.

ما هي محاور شخصية الطبيب

المحور البدني تختلف الشروط البدنية للطبيب تبعا للدور الذي يقوم به في علاج المرضي. عموما، فيحبذ أن يتمتع الطبيب بصحة جيدة و قوة تحمل عالية لما قد يتطلبه عمله من مجهود بدني شاق. و هذا الأمر يدعو الأطباء إلي المواظبة في ممارسة الرياضة البدنية و إجادة الاسترخاء و الترويح عن النفس.

المحور العقلي لا يجب علي الطبيب أن يكون عقلية فذة، و لكن يكفي أن يتمتع بذكاء عادي أو متوسط. و يجب التنويه هنا أن القدرة العقلية قابلة للتحسين و التطوير و ذلك بالتدريب المستمر علي تحسين مهارات القراءة و البحث و الربط و التحليل.

المحور النفسي يتعين علي الطبيب أن يكون 1) خيرا شريفا عفيفا. 2) إيجايبا و شجاعا. 3) كريما و معطاءا.

المحور الاجتماعي يجب علي الطبيب أن يثقل مهاراته الاجتماعية بعلاقات ناجحة في أسرته و زملائه و مجتمعه، ما أمكنه ذلك.

لابد للطبيب أن يحقق الاتزان بين عطائه و كرمه في علاج المرضي بطريقة علمية سليمة من جهة، و بين حالة المرضي الأخلاقية المتفاوتة إرتفاعا و هبوطا من ناحية أخري، و بينما هو علي ذلك يتمتع بوعي داخلي عالي باحتياجاته الشخصية متمثلة في وقت راحته و طعامه و شرابه و أموره الاجتماعية و العلمية. و لذا يتعين علي الطبيب معرفة الحيل النفسية (أو المفاتيح) التي يستطيع من خلالها معاملة المرضي لمساعدتهم في مرضهم من جهة و ليتقي ألاعيبهم و شراكهم من جهة أخري. و في كل الأحوال، ليتجنب الطبيب معاملة المرضي بالمثل، و ألا يحرجهم بكشف ألاعيبهم و أفخاخهم الصبيانية، و لكن لا يدع لهم مجالا للخوض في مثل هذا العبث.

المحور المالي يلزم للطبيب حالة مالية مناسبة من خلال موارد شخصية أو منح دراسية.

المحور الثقافي ينبغي للطبيب أن يكون ملما بقدر ثقافي معقول في نواحي متنوعة مثل التاريخ و الفنون و غيرها.

المحور المهني و يشمل الخلفية العلمية و الخبرة الطبية و البحثية.

يجدر بنا أن نعرف أن هذه المحاور تتشابك مع بعضها البعض، فكل منها يؤثر في الاخر. فتقوية محور معين سيفيد في تقوية المحارو الأخري و العكس بالعكس.

الطب مهنة معالجة بيانات

ينبغي علي الطبيب أن يدرك قيمة الدقة و الترتيب بقدر اهتمامه بمتابعة التطور العلمي و تحصيل المعلومة العلمية. و لعل مهارة جمع و ترتيب و حفظ البيانات بصورة سلسة و بسيطة من أهم العوامل التي تساعد الطبيب في انجاز وظيفته و الاستفادة المثلي من هذه البيانات.

مجالات الإبداع الطبي

يتلخص عمل الطبيب في دراسة الأمراض و طرق الوقاية منها و علاجها إذا كان لابد لها أن تحدث. و يتضمن ذلك إجراء الأبحاث التي غالبا ما تتطلب تضافر جهود و خبرات باحثين في مجالات مختلفة (فريق عمل) من الأطباء و المهندسين و الكيميائيين و غيرهم.

طريقة المذاكرة المثالية

في ضوء ما سبق ذكره يمكن أن نعرف أن المذاكرة و الاطلاع يعتمدان علي تلخيص المعلومة من خلال  خريطة تحتوي علي أسهم و مربعات (خريطة التعلم) بحيث يمكن متابعة تطور المعلومة و ارتباط أجزائها مع بعضها البعض. إن هذه الأشكال و الرسوم التوضيحية هي ما يتبقي في الذهن و يمكن من خلاله الاحتفاظ بالمعلومة لوقت طويل.

و ربما يفيد جدا معرفة العناوين الرئيسية و الفرعية بالموضوع و تبسيط ما يمكن معرفته تحت هذه العناوين. و من الطبيعي أن تتحسن قدرة الطبيب في الفهم السريع مع الربط و التحليل مع كثرة القراءة و اتباع أسلوب التسلسل المنطقي في ترتيب المعلومة.

مدخل لصناعة الطب

من التشويق بمكان اطلاق وصف الصناعة علي مهنة الطب، علي كونها ارتبطت في أذهاننا بوصفة الدواء أو الجراحة بأنواعها المختلفة. مرت صناعة الطب بعدة أشكال و مراحل في تطورها عبر الأزمان، و لذا فصناعة الطب معرفة تراكمية بالدرجة الأولي. و قد شابت – و ربما لا تزال كذلك – المفاهيم الطبية الكثير من الأساطير و الموروثات الشعبية، التي إن تنجح في حفظ صحة الإنسان بدرجة ما إلا أنها وقفت عاجزة عن الإجابة علي مشاكل كثيرة مثل وباء الطاعون الذي عصف بأوروبا في قرون الظلام. و رغما عن هذا التشابك بين حلقات تطور الطب و صعوبة تحديد الوقت الفاصل بين مفاهيمه الغثة و السمينة – إذ أن ليس كل القديم من المعرفة الطبية غثا – إلا أن الفاصل بين الطب التجريبي القائم علي العلاقة السببية و الطب الظني القائم علي الفرض المحض قد يرجع إلي العالم روبرت كوخ عام 1890، حيث وضع ما يعرف بفروض كوخ لمعرفة ارتباط حدوث مرض ما بنوع معين من البكتيريا. ينبغي أن نعرف أن فروض كوخ قد ظهرت بعد تقدم علمي هائل في مجالات الأحياء ( ليفينهوك – 1673 – مخترع الميكروسكوب الضوئي و مكتشف البكتريا أو الميكروبات)، و الكيمياء (لافوازييه – 1774 –  مكتشف قانون بقاء الكتلة)، و الفيزياء (أفوجادرو – 1811 – مكتشف أن عدد الجزيئات في حجم معين من الغاز ثابت في نفس الضغط و الحرارة).

تتابعت الاكتشافات العلمية التي غيرت من وجه صناعة الطب إلي ما يعرف بالطب الحديث لتفرقته عن الطب الشعبي (الطب البديل) مثل العلاج بالأعشاب و الإبر الصينية.

عام 1796-1811 اكتشف جينر إمكانية الوقاية من مرض الجدري فيما يعرف باسم التطعيم (المناعة المكتسبة).

عام 1895 اكتشف رونتجن الاشعة السينية – التشخيص بالاشعة –

عام 1928 اكتشف فلمنج البنسلين – المضادات الحيوية –

عام 1953 اكتشف واطسون و كريك تركيب جزئ الحامض النووي الديؤكسي ريبوز – المادة الوراثية –

عام 2003 تم معرفة التتابع الكامل للحامض النووي للإنسان – الجينات الوراثية –

هذه فقط نقط مضيئة في تاريخ تطور صناعة الطب الذي يتعذر ذكره دونما حاجة لمراجع كثيرة و مساحة و جهد أكبر بالتأكيد. هل تري أنك ستضيف يوما ما نقطة مضيئة في هذه المسيرة الحافلة بالجهد و التضحية و المتعة؟

Read the english version of this post: Physician! Why not?